ابن كثير
51
البداية والنهاية
اللحية ، ضخم الهامة ، ربعة ، ولم يكن يخضب . ولاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة ، في سنة أربع عشرة ومائة ، ففتح بلادا كثيرة وحصونا متعددة في سنين كثيرة ، وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله ، وقاتل طوائف من الناس الكفار ومن الترك والخزر واللان وغيرهم ، فكسرهم وقهرهم ، وقد كان شجاعا بطلا مقداما حازم الرأي ، لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله عز وجل لما له في ذلك من حكمة سلب الخلافة لشجاعته وصرامته . ولكن من يخذل الله يخذل ، ومن يهن الله فماله من مكرم . قال الزبير بن بكار : عن عمه مصعب بن عبد الله : كان بنو أمية يرون أنه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أمه أمة ، فلما وليها مروان هذا أخذت منهم في سنه ثنتين وثلاثين ومائة . وقد قال الحافظ ابن عساكر : أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسين ، أخبرنا سهل بن بشر ، أنبأ الخليل بن هبة الله بن الخليل ، أنبأ عبد الوهاب الكلابي : حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين ، أنبأ العباس بن الوليد بن صبح ، ثنا عباس بن يحيى أبو الحارث ، حدثني الهيثم بن حميد ، حدثني راشد بن داود ، عن أسماء عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال الخلافة في بني أمية يتلقفونها تلقف الغلمان الكرة ، فإذا خرجت من أيديهم فلا خير في عيش " . هكذا أورده ابن عساكر وهو منكر جدا ، وقد سأل الرشيد أبا بكر بن عياش : من خير الخلفاء نحن أو بنو أمية ؟ فقال : هم كانوا أنفع للناس ، وأنتم أقوم للصلاة ، فأعطاه ستة آلاف . قالوا وقد كان مروان هذا كثير المروءة كثير العجب ، يعجبه اللهو والطرب ، ولكنه كان يشتغل عن ذلك بالحرب . قال ابن عساكر : قرأت بخط أبي الحسين علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن الأمير في مجموع له : كتب مروان بن محمد إلى جارية له تركها بالرملة عند ذهابه إلى مصر منهزما : وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى * فآبى ويدنيني الذي لك في صدري وكان عزيزا أن تبيتي وبيننا * حجاب فقد أمسيت مني على عشر وأنكاهما والله للقلب فاعلمي * إذا زدت مثليها فصرت على شهر وأعظم من هذين والله أنني * أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة * ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر وقال بعضهم : اجتاز مروان وهو هارب براهب فاطلع عليه الراهب فسلم عليه فقال له : يا راهب هل عندك علم بالزمان ؟ قال : نعم ! عندي من تلونه ألوان . قال : هل تبلغ الدنيا من الانسان أن تجعله مملوكا بعد أن كان مالكا ؟ قال : نعم ! قال : فكيف ؟ قال : بحبه لها وحرصه على نيل شهواتها وتضييع الحزم وترك انتهاز الفرص . فإن كنت تحبها فإن عبدها من أحبها ، قال : فما السبيل إلى العتق ؟ قال : ببغضها والتجافي عنها . قال : هذا ما لا يكون . قال الراهب : أما إنه سيكون ، فبادر بالهرب منها قبل أن تسلبها . قال : هل تعرفني ؟ قال : نعم ! أنت ملك العرب مروان ، تقتل في بلاد السودان :